سيد قطب
3359
في ظلال القرآن
فمادت الأرض من تحتهم ، ولم يعودوا يستقرون على شيء أبدا : « بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ » . . وإنه لتعبير فريد مصور مشخص لحال من يفارقون الحق الثابت ، فلا يقر لهم من بعده قرار . . إن الحق هو النقطة الثابتة التي يقف عليها من يؤمن بالحق فلا تتزعزع قدماه ، ولا تضطرب خطاه ، لأن الأرض ثابتة تحت قدميه لا تتزلزل ولا تخسف ولا تغوص . وكل ما حوله - عدا الحق الثابت - مضطرب مائج مزعزع مريج ، لا ثبات له ولا استقرار ، ولا صلابة له ولا احتمال . فمن تجاوز نقطة الحق الثابتة زلت قدماه في ذلك المضطرب المريج ، وفقد الثبات والاستقرار ، والطمأنينة والقرار . فهو أبدا في أمر مريج لا يستقر على حال ! ومن يفارق الحق تتقاذفه الأهواء ، وتتناوحه الهواجس ، وتتخاطفه الهواتف ، وتمزقه الحيرة ، وتقلقه الشكوك . ويضطرب سعيه هنا وهناك ، وتتأرجح مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال . وهو لا يلوذ من حيرته بركن ركين ، ولا بملجإ أمين . . فهو في أمر مريج . . إنه تعبير عجيب ، يجسم خلجات القلوب ، وكأنها حركة تتبعها العيون ! واستطرادا مع إيقاع الحق الثابت المستقر الراسي الشامخ - وفي الطريق إلى مناقشة اعتراضهم على حقيقة البعث - يعرض بعض مظاهر الحق في بناء الكون ؛ فيوجه أنظارهم إلى السماء وإلى الأرض وإلى الرواسي ، وإلى الماء النازل من السماء ، وإلى النخل الباسقات ، وإلى الجنات والنبات . في تعبير يتناسق مع صفة الحق الثابت الراسي . . الجميل . . « أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها ؟ وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ » . . إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه . أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار ؟ وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب ! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا . مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال . ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج . وكذلك الأرض صفحة من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس الجميل البهيج : « وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ، وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » . . فالامتداد في الأرض والرواسي الثابتات والبهجة في النبات . . تمثل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال ، التي وجه النظر إليها في السماء . وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة ، والأرض الممدودة الراسية البهيجة يلمس قلوبهم ، ويوجهها إلى جانب من حكمة الخلق ، ومن عرض صفحات الكون : « تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ » . . تبصرة تكشف الحجب ، وتنير البصيرة ، وتفتح القلوب ، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب ، وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب . . تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب ، يرجع إلى ربه من قريب . وهذه هي الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل . هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون ، والتعرف إليه أثرا في القلب البشري ، وقيمة في الحياة البشرية . هذه هي الوصلة